الآخر في التصور الإسلامي

أحمد الصراف

طباعة أضف تعليق جميع التعليقات

 

الآخر، في التصور الاسلامي، هو غير المسلم، سواء كان كتابيا، مجوسيا، مشركا او حتى ملحدا، واحيانا يضيف جماعة السنة الى هؤلاء كل من يخالف مذاهبهم من شيعة واسماعيلية وبهرة او احمدية وحتى اباظية. ويتخذ غالبية الشيعة الموقف ذاته مع غيرهم من اتباع المذاهب السنية، وحتى من الشيعة غير الاثني عشرية.
والامر لا يقف بطبيعة الحال عند التصور فقط، بل يمتد بحيث تصبح له تبعات دنيوية، كما ان لكل طرف تصوره في تبعات ذلك بعد الموت. فهناك تمييز في المعاملة والحقوق والواجبات بين المسلم السني والمسلم الشيعي. فدستور جمهورية ايران الاسلامية لا يسمح لغير الشيعي بتولي منصب رئاسة الجمهورية، وهذا يعني ببساطة ان غير الشيعي غير مسلم او لا يستحق تولي هذا المنصب الرفيع حتى لو اختار الشعب الايراني برمته شخصا سنيا لتولي الرئاسة!!
وعلى الرغم من عدم وجود نصوص في دساتير غالبية الدول الاسلامية السنية، على افتراض وجود دستور يعمل به بطريقة محترمة، فان من الاستحالة مجرد التفكير في امكان وصول شيعي الى منصب رئيس الدولة فيها جميعا، خصوصا في ظل الامر الواقع الذي يمنع وصولهم إلى ما هو ادنى من ذلك بكثير. اما التفرقة بين المواطن المسلم، شيعيا كان او سنيا، وبين بقية المواطنين من اصحاب الديانات الاخرى فحدث ولا حرج. فهؤلاء يصنفون عادة كفاراً، والكفار يقسمون الى فئتين، كتابيين ومشركين، والفارق بينهما يكمن في مبدأ الجزية. فالجزية تقبل من اصحاب الكتاب من مسيحيين ويهود، وبعض الفقهاء يحشرون معهم المجوس، ودفع الجزية يعطيهم الحق في البقاء احياء. اما بقية البشر من اتباع آلاف الديانات الاخرى فليس امامهم سوى خيار واحد هو إما الدخول في الاسلام وإما قطع الرقبة. ومن الانصاف القول ان نص القتل لم يطبق بشكل واسع وتم التغاضي عنه على الرغم من وضوحه!
وعلى الرغم من وجود بعض الاختلافات بين مذهب اسلامي وآخر في الموقف من غير اهل الكتاب من ناحية قبول او عدم قبول الجزية منهم، فان المبدأ الاساسي يبقى من دون تغيير. كما يمكن القول ان مكانة غير المسلم في المجتمعات الاسلامية هامشية بمعنى الكلمة. فجميع النصوص تطالب بقتل المشركين، حيث وجدوا، والنصوص موجودة في سورة التوبة في الآيتين 5 و29، وهي تطالب بقتال الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر والذين لم يحرموا ما حرم الله ورسوله ولا يدينون بدين الحق من الذين اوتوا الكتاب، الا اذا دفعوا الجزية وهم اذلاء صاغرون.
وعلى الرغم من كل ما تتضمنه دساتير الدول العربية والاسلامية من نصوص واضحة تؤكد تقديس الحرية والمساواة من دون تفرقة بين المواطنين، فان من المعروف ان غير المسلم يعامل بشك عادة في هذه البلدان، وكمواطن من الدرجة الثانية أو أقل. فشهادة غير المسلم على المسلم لا تقبل، ويشتط البعض بحيث لا تقبل حتى شهادة الكفار بعضهم على بعض. واذا قتل الكافر مسلما فجزاؤه القصاص، ولكن لا يُقتل مسلم بكافر، كما ورد في صحيح البخاري، مع مخالفة الاحناف لهذه القاعدة. كما لا يقتص من المسلم بالكافر في الجروح وجرائم قطع الاعضاء. ولا يطبق الحد على من قذف كافرا، بل يعزر فقط. فأعراض غير المسلمين لا تستحق ان تصان من القذف. ومتفق عليه ان غير المسلم لا يحق له الزواج بمسلمة. وتوصي بعض النصوص المسلمين حتى بعدم مبادرة اليهود والنصارى بالسلام. وللمسلم حق «استرداد سلامه» ان تبين ان من سلم عليه غير مسلم، لكي يجعله يشعر بالوحشة فيختار ان يسلم. وان على المسلم، ان التقى كتابيا في الطريق، ان يدفعه لأضيقه! وتعتبر قضية الجزية المفروضة على غير المسلمين من اكثر الامور تعقيدا في العلاقة بين الطرفين. ولهذا لا تطبق الجزية في اي مجتمع اسلامي على الرغم من اجماع الفقهاء عليها، لان في دفعها حقنا لدماء الكفار بدلا من قتلهم، او لمجرد القبول بهم في دار الاسلام. ويذهب البعض إلى القول إنها عقوبة على الكفار لبقائهم على كفرهم.
فالجزية تشكل إذلالا لدافعها. وحسب قول «ابن القيم الجوزية» فإنها تضرب على رؤوس الكفار إذلالا وصغارا لهم ولتحقيرهم وإهانتهم.
وعلى الرغم من تساهل الاسلام مع اهل الكتاب في ما يتعلق بممارسة شعائرهم فانه وضع قيودا تمنع اظهار الصليب ورفع الصوت في الصلاة والقراءة.
وقد يقول قائل ان الكثير من هذه الامور غير مطبقة، وهذا صحيح، ولكن مجرد وجودها يعني ان هناك سيفا مصلتا على رقاب غير المسلمين يمكن ان يفعل في اي يوم. وبالتالي من المهم تحصين القوانين الوضعية ودعم الدساتير الموضوعة لحماية الحريات الفردية والحقوق الشخصية من تسلط رجال الدين ومنع تدخلهم في شؤون البشر اليومية بصورة متعسفة.

مقالات تحت نفس الباب



أكثر المقالات مشاهدة خلال 30 يوما

في سيكولوجيا الأخلاق والحضارة عند فرويد - علي أسعد وطفة - عدد القراءات 426
مشكلة الموت في الثقافة العربية - حازم خيري - عدد القراءات 255
رحيل المؤمن وغناء الكفرة - جعفر رجب - عدد القراءات 204
سلطة رجال الدين - فاخر السلطان - عدد القراءات 191
بيان في رحيل المفكر الدكتور أحمد البغدادي - مركز "الحوار" للثقافة (تنوير) - عدد القراءات 177
هل هناك عقلانية زائدة؟ - محمد شرينه - عدد القراءات 169
مات صاحب الضمير والنفس الأبية - أحمد الصراف - عدد القراءات 161
الأسس الرمزية والأسطورية للعنف الديني المعاصر - علي أسعد وطفة - عدد القراءات 136
جنون العباقرة - هاشم صالح - عدد القراءات 130
عكاز البغدادي - ابتهال عبدالعزيز الخطيب - عدد القراءات 126


أكثر المقالات تعليقا خلال 30 يوما

هل هناك عقلانية زائدة؟ - محمد شرينه - عدد التعليقات 1
رحيل المؤمن وغناء الكفرة - جعفر رجب - عدد التعليقات 1



  

تعليقات القراء

الحجاب في القاهرة: زمن ما بعد النقاش حول ارتدائه - لا للكذب - لا أصدق ما تدعين أنه حدث لكى و خصوصا أنه لم يحدث مع صديقتك الفرنسية و هذا فى حد ذاته دليل كذب .....
هل هناك عقلانية زائدة؟ - عبدالوهاب - كلام رائع ومنطقي لو كنت عقلانيا فقط لما كنت كتبت هذا المقال لأن العقلانية تقول بأنك لن تستطيع تغيير...
تعالوا نضحك مع وعلى جمعية الاصلاح - كلام فارغ - تافه وموضوع سخيف جمعية الاصلاح بير وصغير يعرف عنها لكن اللي ما يطول العنب حامض عنه يقول ....
ما هي العلمانية ببساطة؟ - DIDOUI - الموضوع مهم و جيد ومن الجيد انكم تطرقتم لمثل هده المواضيع لمهمة والمنتشرة في...
ما هي العلمانية ببساطة؟ - اية - الموضوع مهم وجميل ومن الجدير بنا كمجتمع ان نهتم به فهو من اكثر المواضيع المهمة والشائكة في...
ما هي العلمانية ببساطة؟ - بغداد - ارجو من اللذين عارظوا هاذا المقال ان يلقو ولو نظره بسيطه الى ما ال اليه حال العراق وافغانستان من...
حرية الارتداد مكفولة في الإسلام - بنت الديرة - الاخ علي اولا : كافي انك كاتب بنفسك انه "لا ذكر لعقاب المرتد في القرآن الكريم .." ثانيا : جملتك...
"الحجاب" ليس فريضة إسلامية - بنت الديرة - تسلم على هالمقال وفعلا موضوع الحجاب اخذ اكثر مما يستحق في يد المفتيين و شيوخ الدين وبالأخير "لم...
شعر بنات - سيد صباح بهبهاني - لا تتحقق الحياة الزوجية السعيدة إلا بالمودة والرحمة!! الحلقة الأولى بسم الله الرحمن...
هل الإسلام هو سر تخلف المسلمين؟ - سيد صباح بهبهاني - اصحوا من هذه الغفلة يا عباد الله !!! بسم الله الرحمن الرحيم (وما ءاتكم الرسول فخذوه وما نهاكم...

حقوق الطبع والنشر محفوظة © تنوير 2002-2010